محمد بن جرير الطبري
53
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : يوم يدين الله العباد بأعمالهم . وحدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال : يوم يدان الناس بالحساب . القول في تأويل قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ قال أبو جعفر : وتأويل قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ اللهم نخشع ، ونذل ، ونستكين ، إقرارا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد : إياك نعبد ، إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك . وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا ، وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نخشع ، ونذل ، ونستكين ، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونخاف ، وإن كان الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة ؛ لأَن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة ، وأنها تسمي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأَقدام وذللته السابلة : معبدا . ومن ذلك قول طرفة بن العبد : تباري عتاقا ناجيات وأتبعت * وظيفا وظيفا فوق مور معبد يعني بالمور : الطريق ، وبالمعبد : المذلل الموطوء . ومن ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج : معبد ، ومنه سمي العبد عبدا لذلته لمولاه . والشواهد من أشعار العرب وكلامها على ذلك أكثر من أن تحصى ، وفيما ذكرناه كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله تعالى . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال أبو جعفر : ومعنى قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وإياك ربنا نستعين على عبادتنا إياك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها لا أحد سواك ، إذ كان من يكفر بك يستعين في أموره معبوده الذي يعبده من الأَوثان دونك ، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة . كالذي : حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثني بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال : إياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها . فإن قال قائل : وما معنى أمر الله عباده بأن يسألوه المعونة على طاعته ؟ أو جائز وقد أمرهم بطاعته أن لا يعينهم عليها ؟ أم هل يقول قائل لربه : إياك نستعين على طاعتك ، إلا وهو على قوله ذلك معان ، وذلك هو الطاعة ، فما وجه مسألة العبد ربه ما قد أعطاه إياه ؟ قيل : إن تأويل ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه ؛ وإنما الداعي ربه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه ، داع أن يعينه فيما بقي من عمره على ما كلفه من طاعته ، دون ما قد تقضى ومضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره . وجازت مسألة العبد ربه ذلك لأَن إعطاء الله عبده ذلك مع تمكينه جوارحه لأَداء ما كلفه من طاعته وافترض عليه من فرائضه ، فضل منه جل ثناؤه تفضل به عليه ، ولطف منه لطف له فيه ؛ وليس في تركه التفضل على بعض عبيده بالتوفيق مع اشتغال عبده بمعصيته وانصرافه عن محبته ، ولا في بسطه فضله على بعضهم مع إجهاد العبد نفسه في محبته ومسارعته إلى طاعته ، فساد في تدبير ولا جور في حكم ، فيجوز أن يجهل جاهل موضع حكم الله ، وأمره عبده بمسألته عونه على طاعته . وفي أمر الله جل ثناؤه عباده أن يقولوا : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ بمعنى مسألتهم إياه المعونة على العبادة أدل الدليل على فساد قول القائلين بالتفويض من أهل القدر ، الذين أحالوا أن يأمر الله أحدا من عبيده بأمر